وحدة ثنائية القطب

قرأت منذ زمن كتاب علي عزت بيجوفيتش الرئيس الأسبق لجمهورية البوسنة والهرسك التي عانت من التطهير العرقي الذي مارسه ضدهم الصرب. واسم الكتاب “الإسلام بين الشرق والغرب” يوحي للوهلة الأولى انه يقارن بين حال المسلمين في الشرق _ارض الإسلام_ وحال مسلمي الغرب _أرض الكفر_ . وكان هذا الإيحاء سببا في تأجيل القراءة لفترة طويلة _مع الأسف_. تبدل هذا عند قراءة الكتاب فقد وجدته بعيدا عنها حتى ندمت على تأخير القراءة ولكن ليس لحكمي على الكتاب من عنوانه بل لأن فكرة الكتاب غيرت نمط تفكيري تماما وغيرت طريقة قراءتي للنصوص الشرعية.
الشروق والغروب يغلب على ظن الكثير من الناس انهما متباعدان لدرجة التناقض وعادة ما يتم تشبيه الموت والحياة بهما، ولكن الحقيقة هما صورتين لجوهر واحد، أو قل أنهما حالتان ضروريتان لاستمرار الحياة باعتبارهما بداية ونهاية اليوم وتطور الأعمار. أو حالات أساسية للشمس ولولاها لفسدت الأرض من شدة حرارة نصفها وشدة برودة الآخر.
أو كما يسميها علي عزت “وحدة ثنائية القطب”.
الفكرة المركزية التي يدور حولها الكتاب هي ان الانسان والإسلام متوافقان تماما لان كليهما وحدة ثنائية القطب. فكما ان الانسان يتكون من قلب وبدن فان الإسلام يتكون من إيمان وعمل صالح.
القلب في الثقافة الإسلامية لا يشار به الى العضو المعروف ولكن يقصد به تأثير الروح في الانسان او ما يسمى بالنفس البشرية وتعلقها بالغيبيات وما وراء عالم الشهادة المادي وبحثها الدائم للاطمئنان والسكينة، وهو ما يوفره الإيمان، والمتأمل في آيات القران وصحيح السنة يجد ما يجيب على أسئلة الغيب كالخلق (الايمان بالله) والقوة المطلقة (الايمان بالقضاء والقدر والملائكة) والوحي (الايمان بالرسل والكتب السماوية) وما بعد الموت (الايمان باليوم الاخر والحساب والثواب والعقاب) . ويصف الإسلام الخلل في الايمان بأمراض قلوب.
أما العمل الصالح وهو تكاليف البدن فيجب التنويه على سعة هذا المفهوم فلا يقف عند ما أشار اليه الرسول الكريم لما سئل عن تعريف الإسلام. انا يشمل ما أشار اليه القرآن الكريم واعتبره هدفا رئيسا لوجود الانسان على الأرض وهو إعمارها. ويمتلئ القرآن بإشارات توجب على الانسان قراءة هذا الكون الفسيح والتدبر في آيات الله الموزعة بين جنباته. والاستعداد التام لما يطرأ عليه من تقلبات هي امتحان لاستجابة المسلم لهذا التكليف (معرفة الطبيعة وأقدارها)، واستغلال أوقات هدوئها في العمران ونشر العلم ونشر الأمن.
تعتبر الصلاة هي أوضح مثال لهذه الوحدة ثنائية القطب فهي حركات بدنية تستلزم ارتباط القلب بالله، ويسبقها الوضوء الذي يعد تطهيرا بدنيا من الدرن وتطهيرا قلبيا من الذنوب. ولم استطع فهم الفرق بين التوكل والتواكل الا في هذا السياق، فمن اتى بعمل القلب وقصر في عمل الجوارح فهو متواكل، ومن اتى بعمل الجوارح وقصر في عمل القلب فليس بمؤمن ومن حققهما معا فهو المتوكل. ومن ذلك أيضا ضبط حركة الحياة بالوازع الأخلاقي الحر.
فالمسلم يمشي على الأرض يتعلم قوانينها ويستخدمها في إعمارها ويرتبط بالسماء يعبد الله حق عبادته يناجيه ويتوكل عليه، ويرى تقصيره ان لم يؤدي حقي القلب والبدن معا.

https://www.facebook.com/m7mdshms/posts/10157534270708687 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.